الربيع العربي الملهم في أميركا

لم تزعجني تلك اللافتة التي تناقلت وسائل إعلام أن متظاهرة أميركية رفعتها وتضمنت عبارة “لسنا عرباً لتقتلونا ونسكت”، على الرغم مما تبين، بحسب ما توصل إليه موقع مسبار، من أنها تعود إلى تظاهرات جرت في أميركا في عام 2016، وأن مضمونها مفبرك، إذ إن العبارة الأصلية على اللافتة هي “توقفوا عن قتلنا”.

بغض النظر عن كل ذلك، يمنح تداول لافتة كهذه إقراراً بالقوة الأخلاقية والقيمية الهائلة للربيع العربي، الذي صار ملهماً للوجود الإنساني كله. أهم ملامح الانتفاضة الشعبية الأميركية ضد السلوك العنصري القاتل الذي خنق المواطن الأسود بيد، بل بقدم الضابط الأبيض، أنها تسقط أكذوبة أن الحراك مستورد أو مصنوع، تلك الكذبة التي ترددها كل النظم القمعية الفاسدة في مواجهة غضب الشعوب.

في الغضب الأميركي المنتقل بسرعة الرياح والأعاصير من ولاية إلى أخرى ثمة رد اعتبار للربيع العربي الممتد من سيدي بوزيد التونسية ديسمبر/ كانون الأول 2010 وحتى مينيابوليس الأميركية مايو/ أيار 2020 مواصلاً رحلته التي لم تصل إلى محطتها النهائية حتى الآن، ماراً بمصر وليبيا واليمن وسورية، في مرحلة أولى، ثم بالجزائر والسودان، في المرحلة التالية، ليعبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة.

هي الكرامة الإنسانية، مطلب كل إنسان في هذا العالم المتوحش، تسكن هتاف الحناجر باختلاف اللغات واللهجات ولون البشرة، لتذكر البشرية بالبدايات، بدايات الانتقال من الغابة إلى المجتمع البشري، بعد سلسلة من النضالات التي خاضتها الجماعة البشرية، كان التجلي الأبرز لها في ثورة مارتن لوثر كينغ التي بدأت خطواتها الأولى في شتاء عام 1955 في مدينة مونتغمري حين دافعت سيدة سوداء عن حقها في مقعد بحافلة لنقل الركاب، أرادوا انتزاعه منها لمصلحة راكب آخر من البيض، فحضرت الشرطة وألقت القبض عليها.وائل قنديل يكتب: الربيع العربي الملهم في أميركا عرب

من هذا الموقف افتتح لوثر كينغ مسيرة الثورة بحملة شعبية لمقاطعة شركة النقل، توجت باحتفاله مع غيره من المناضلين بركوب حافلة مختلطة بعد عام من الكفاح.

وكان ذلك موعد تدشين زعيم جديد ومناضل حقيقي من أجل الإنسانية، لتعرف الولايات المتحدة في عام 1963 من النضال المتقطع أول ثورة شعبية يقودها السود شارك بها نحو ربع مليون إنسان، كان من بينهم 60 ألفاً من البيض وصلوا إلى النصب التذكاري للمؤسّس أبراهام لينكولن، مسجلين أكبر تظاهرة من أجل الحقوق المدنية في التاريخ.

هناك ألقى كينغ خطبته الخالدة “لديّ حلم”، والتي صارت أهم من الدستور الأميركي ذاته، ليصدر بعدها قانون حماية حقوق التصويت الانتخابي الفيدرالي، أهم منجزات الحرب على التفرقة العنصرية.

استمرت مسيرة الكفاح، حتى توقفت إجبارياً برصاصة من عنصري أبيض في عام 1968 ليدخل كينغ تاريخ الإنسانية، ويصبح هناك عيد سنوي أميركي في الثالث من يناير/ كانون الثاني من كل عام اسمه “يوم لوثر كينغ”.

بالنظر إلى جذور ومنطلقات الربيع العربي قبل عشر سنوات من اللحظة الأميركية الراهنة، ستجد آثاراً لنضال مارتن لوثر كينغ، حيث قيم المساواة والعدالة والحرية هي مطلب انتفاضات البوعزيزي (تونس) وخالد سعيد (مصر) وما بدأ في درعا السورية وليبيا واليمن.

هذا الأمر قد يفسر موجات التفاعل والمعايشة من قبل جمهور الربيع العربي لتطورات الأحداث في أميركا لحظة بلحظة، وكأنهم يستعيدون حلمهم المجروح، ويتحسسون جرحهم الحالم، الذي لا يزال ينزف حتى الآن. ويشغلون الوجدان والذاكرة بالطاقة القصوى لتحليل المشاهد الأميركية على ضوء الوقائع اليومية لأحداث الربيع العربي الجريح، بما يشعر معه الثائر العربي بأن ما يدور في الضفة الأخرى من الأطلسي يخصه وينتمي له، أو هو حلمه في مساحة أخرى على يد أشخاص آخرين.

غير أن الأهم من كل ما سبق هو أن روح الثورة لا تزال تسكن إنسان الربيع العربي، مغلفة بيقين أن موعداً لا يزال قائماً بين الجماهير وأحلامها المؤجلة.

*  نقلاً عن موقع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق