“مرسي” و”برلمان الثورة”.. ومضة من التاريخ!

لا شك أن ارتباط برلمان ما بعد ثورة يناير 2011 بالثورة وما تلاها من أحداث تمت قبل انقلاب العسكر في تموز/ يوليو عام 2013 لهو تعبير صادق عن الآمال التي عُقدت من أجل مستقبل أفضل لمصر وحياة أكرم لشعبها ورغبة شعبية منقطعة النظير لإحداث تغيير حقيقي في مصر بعد دهور من الظلم، والاستبداد، وغياب كرامة الإنسان المصري، والتفريط في ثوابت وثروات الوطن.

وكانت انتخابات مجلس الشعب، والشورى بعده، من العلامات التي تدل على أن الشعب المصري قد استوعب التغيير الذي حدث في المناخ السياسي عقب الثورة فشارك بقوة وبهمة عالية لم تتواجد من قبل، وكانت نشأة البرلمان نتيجة لمشاركة ما يقرب من 32 مليون مصري لأول مرة في التاريخ المصري يتحركوا من أجل انتخابات وخيارات حرة.

كذلك كانت الانتخابات الرئاسية تحمل مساحة كبيرة من الحريات من حيث الترشيح والدعاية والتصويت والفرز والنتيجة رغم ما شاب تلك المراحل من تدخلات كانت بصفة أساسية من قيادات العسكر الذين اختل توازنهم لفترة من تسارع الأحداث التي لم يكن أحد يحلم بحدوثها في مصر.

فكما كان انتخاب الرئيس الشهيد بإذن الله محمد مرسي مفاجأة وتعبيرا عن التغيير كان برلمان الثورة أيضا مُعبّرا عن هذا التغيير الذي اتخذ شكل سوابق برلمانية لم يمر بها البرلمان المصري في تاريخه منذ نشأته!"مرسي" و"برلمان الثورة".. ومضة من التاريخ! الثورة

سوابق في الإجراءات، وفي القرارات، وفي الموضوعات، وشاء الله أن يرتبط البرلمان والرئيس والثورة في حزمة واحدة، وتهدد وجودهم جميعا معا في ذات اللحظة؛ ففي وجود مجلس الشعب كان د. مرسى رئيسا للحزب، وعندما تولى الرئاسة كان مجلس الشورى هو ما تبقى من إرادة شعبية؛ فحافظ عليه ومكّنه من أداء دوره، وما هو أكثر من دوره.

عند انعقاد مجلس الشعب، الذي لم يستمر سوى 6 أشهر قبل حله بقرار من سلطة استثنائية، وقبيل إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة، إلا أنه قدم سوابق برلمانية في الإجراءات لم تحدث من قبل، وقد كنت مراقبا وشريكا في حياة برلمانية منذ عام 1990 حتى دخلت البرلمان في 2000 وأُخرجت منه بمؤامرة حكومية أشرفت عليه وزارة الداخلية بشكل مباشر بعد عامين من النشاط، وكذلك تم تزوير الانتخابات بشكل فج في 2005 تحت إشراف مؤسسة الرئاسة وقتها ثم كنت عضوا مُنتخبا في انتخابات برلمان الثورة عام 2011 في مجلس الشعب ثم عضوا مُعيّنا في مجلس الشورى عام 2012 بعد أن حل العسكر مجلس الشعب، واستطيع أن أقرر أن هناك سوابق لم تكن لتحدث تحت قبة البرلمان لولا ثورة يناير منها:

التصويت الدقيق بالاسم لا الشكلي الذي كان يجريه فتحي سرور مثلا، وذلك في مجلسي الشعب والشورى.

ومنها حضور وزراء الوزارات السيادية التي لم يكن أحد منهم يحضر جلسات البرلمان، إلا لو كان هناك مخطط مطلوب تنفيذه في الجلسة.

ومنها رفض الموازنة التي تقدمت بها الحكومة بشكل علني، وطلب استقالة رئيس الوزراء الذي أعقبه التهديد بالحل ثم الحل.

ومنها منح المعارضة مساحة في الحوار الدائر لم تتح في مجالس “مبارك” التي عشتها ولا من قبله حتى اشتكى أعضاء الأغلبية من اقتطاع حقهم لصالح المعارضة.

ومنها توزيع رئاسة لجان ووكلائها وأمناء السر بها على أعضاء من المعارضة لم ترضى البعض الذي منح نفسه حجما أكثر مما منحه الشعب، وتبين أن أغلبهم لم يكن يحمل أجندة وطنية، بل وكانوا شركاء في الانقلاب على الشرعية الشعبية والدستورية حتى اكتوى الجميع بناره!

وكذلك، كان هناك تميزا وسوابق برلمانية في الموضوعات التي تُطرح داخل اللجان وتحت القبة في مجلسي الشعب والشورى؛ فلم يكن هناك حظرا أو خطا أحمرا لأي موضوعات يمكن مناقشتها:

فتمت مناقشة ميزانية الجيش والشرطة بشكل استفزهم في مجلس الشورى بعد حل مجلس الشعب. كما تم استعراض موضوعات تخص الجيش والشرطة في مناقشات ومشاريع قوانين، وكذلك كل الأجهزة الرقابية، والتي تمت بشكل منهجي في مجلس الشورى بعد إعلان الدستور الجديد والاهتمام بالشفافية والسعي على توحيد الأجهزة الرقابية واستقلال القضاء وغيرها من القرارات التي تهم الصحة والتعليم والشباب والمرأة والطفولة، وكان جاري تحويل كل النصوص الدستورية إلى قوانين.

قبل انتخاب الرئيس مرسي كان مجلس الشعب قد ناقش كثير من الموضوعات في 38 جلسة عامة استغرقت 822 ساعة و917 اجتماع للجان النوعية استغرقت 2602 ساعة، وصدر 325 تقرير، و231 مذكرة بموضوعات مختلفة من هذه اللجان، وكانت محاور الاهتمام أولا استحقاقات الثورة، وثانيا النشاط السياسي للمجلس، وثالثا النشاط التشريعي للمجلس، ورابعا النشاط الرقابي للمجلس، وخامسا النشاط النوعي للجان، وسادسا الدبلوماسية البرلمانية.

وكانت أهم الإنجازات في ملف قتل المتظاهرين وتعويضات أسر الشهداء والمصابين من تشكيل لجنة تقصي الحقائق التي انتهى دورها بحل المجلس ثم أصدر الرئيس قرار تشكيل لجنة قضائية وثقت الجرائم والمخالفات التي تمت بمعرفة الداخلية أثناء الثورة، وهو المعروف باسم تقرير نيابة الثورة، وكذلك تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق فيما يخص الأموال المصرية المهربة، والتي توقفت عقب الحل، وتم استكماله في مجلس الشورى وتخصص له وزير من حكومة د. مرسي لمتابعة الخطوات التي يتم اتخاذها مع استكمال ملف التحقيقات والمحاكمات التي كانت شرطا لاسترداد الأموال من الخارج حتى حدث الانقلاب العسكري.

كذلك من سوابق المجلس رفض برنامج الحكومة (حكومة الجنزوري الذي عينه العسكر) بعد 21 جلسة تحدث فيها 773 عضوا من كافة الانتماءات الحزبية، وتم رصد كثير من المخالفات من حيث القضايا الأمنية وقضايا العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية والسياسات الاقتصادية وقضايا الفساد وفقدان مصر لمواقفها المتميزة في محيطها العربي والإقليمي، وهنا قرّر المجلس في سابقة لم تحدث من قبل برفض برنامج الحكومة بأغلبية 743، وتحفظ 9، ووافق عليه 6 أعضاء، وامتنع عن التصويت 3 أعضاء.

وبالنسبة لسوابق البرلمان القانونية؛ فقد أصدر مجلس الشعب 9 قوانين من أهمها قانون الانتخابات الرئاسية الذي ضمن نزاهة الانتخابات و10 قوانين تم الانتهاء منها، ولم تعرض للموافقة النهائية بسبب حل البرلمان، و3 قوانين موافقة من حيث المبدأ ومعروضة على اللجان، وتوقف كل ذلك بسبب حل المجلس، وتقدم النواب بـ 242 اقتراحا مشروع قانون.

أما في مجلس الشورى، فقد قام بدور تشريعي ورقابي بقرار من الرئيس مرسي حتى لا يتحمل بمفرده، بل بمشاركة شعبية عبء سن القوانين ومراقبة الأداء الذي اتضح فيما بعد أن هناك من يتلاعب بالمصريين ومصالحهم، وكأن ثورة لم تقم.

لذا، وجدنا سوابق برلمانية في مجلس الشورى تحاسب وزير الداخلية، وتطالب بإقالته، ومناقشة تفصيلية لموازنة وزارة الداخلية، وتوفير أموال من موازنات وزارات سيادية وخدمية، والبدء في إنشاء مجلس أعلى للمؤسسات الرقابية في مصر يوحد عملها، ويحسن أدائها كما مارس مجلس الشورى دورا في تحسين الصورة الدبلوماسية والسياسية لمصر باجتماعه بسفراء دول العالم مقسمين إلى قطاعات بالتعاون مع وزارة الخارجية.

وتم إصدار قوانين مُكملة لما أصدره مجلس الشعب للمعاشات ورعاية المرأة المعيلة، حيث استفادت 489 ألف امرأة من التأمين الصحي، وكذلك 13.2 مليون من الأطفال قبل سن الدراسة، وقد استفاد من تثبيت العمالة المؤقتة وتقنين أوضاعهم 593 ألف عامل، وقد استفاد 1.9 مليون موظف من رفع الحد الأدنى للأجور واستفاد 1.2 مليون معلم من الكادر الخاص بالمعلمين.

كما استفاد 150 ألف عضو هيئة تدريس، و58 ألف خطيب وإمام من تحسين أوضاعهم واستفاد محدودي الدخل بمنظومة الخبز الجديدة ودعم منتجات البترول بمبلغ 74 مليار 400 مليون جنيه، وقد تبخر ذلك كله بعد الانقلاب ووجدنا أن كل اهتمام برلمان الانقلاب – الذي تم اختيار أعضائه بمعرفة المخابرات الحربية والأمن الوطني – هو السعي لتمكين الانقلابيين من السيطرة على مفاصل البلاد وقهر العباد وبيع أرض الدولة والتفريط في ثروات البلاد، كما حدث من تيران وصنافير وأرض مشروع نيوم وسيناء ورفح والغاز وأخيرا نهر النيل.

فشتان بين رئيس مُنتخب بإرادة شعبية ينشغل بحماية شعبه والحفاظ على كرامتهم والعمل على رفع قدرتهم لمقاومة الفقر والتهميش الذي عاشه المصريين منذ عشرات، بل مئات السنين، وبين رئيس يدعم نفسه وحاشيته؛ فلم تصدر قوانين دعم تميزية لفئات من الشعب، كما فعل الانقلاب ومؤسساته بإصدار قوانين وقرارات خاصة من أجل داعميه في الجيش والشرطة والقضاء والمستفيدين من النظام ومَن يروج له بالباطل كل أفعاله وجرائمه!"مرسي" و"برلمان الثورة".. ومضة من التاريخ! الثورة

كذلك، تصدر مجلس الشورى للعدالة الانتقالية بعدما تم حل مجلس الشعب، وشكّل لجنة لتقصي الحقائق، وأنشأ نيابة للثورة أصدرت تقريرها – وقد تم نشره- وتم تقديم التعويضات لأسر الشهداء والمصابين ومَن تعرضوا للتعذيب في زمن المخلوع مبارك، بينما لم يحدث شيئا لكشف غموض ومحاسبة وتعويض من تعرض لانتهاكات العسكر بعد الانقلاب؛ فقد ارتكب الانقلاب العسكري جرائم تشيب لها الولدان في شعب مصر بأيدي مصرية ينتسبون إلى الجيش والشرطة منذ مذابح المنصة والحرس الجمهوري مرورا بفض رابعة والنهضة وانتهاء بالمجازر التي اُرتكبت في الشوارع والمنازل ضد عزل وأبرياء في كل أنحاء مصر وحتى الآن !

لقد كان للرئيس مرسي موقفاً واضحاً من الفساد والاستبداد، وحاول جاهداً بذل الجهد لضبط الأمن مع وزارة للداخلية صرّح ضباطها أنهم في إجازة لمدة أربع سنوات، ورغم ذلك اجتهد كثيرا في محاولة لضبط التهريب من المواد البترولية والتموينية والمواد المخدرة وحالات الاختطاف.

كما حاول الرئيس من خلال زياراته المتعددة أن ينفتح على العالم، ويحفظ لمصر مكانتها وسط الأمم ويؤمن مستقبل أفضل لوطنه وشعبه باتفاقات واستثمارات ضخمة فزار السعودية واتفق معها على خط ائتمان لتمويل الصادرات غير السعودية لمصر بقيم 750 مليون دولار واتفاقية لتمويل 3 مشروعات في مجال الصوامع، وتجديد أدوات الري والشرب بقيمة 230 مليون، لكن حكامها فضلوا دفع المليارات للإطاحة بالدكتور مرسي فيما بعد!.

وزار الرئيس مرسي قطر، وتم الاتفاق على تقديم مساعدات لمصر بقيمة مليار دولار إلى جانب 3 مليار أخرى في صورة سندات، وقدمت قطر 3 شحنات غاز هدية للشعب المصري، ومازالت تدفع ثمن هذا الدعم بحصار ظالم من رباعية الشر العربي. كما أنه زار السودان واتفق على زراعة مليون فدان قمح بالمشاركة، وإقامة منطقة صناعية في شمال السودان.

وزار تركيا وقدمت وقتها قرضا لمصر بقيمة مليار دولار، وتمويل مشروعات في مجال الغزل والنسيج والنقل العام بمقدار مليار دولار. وزار الرئيس مرسي الصين، واتفق على تطوير المنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس ومشروعات لتمويل البنية التحتية، بينما لا نسمع الآن سوى الشراكة في إنشاء مدينة العزل الإلهي لنظام الانقلاب المعروفة بالعاصمة الإدارية الجديدة.

كما زار الهند وباكستان وإيطاليا وألمانيا وثلة من الدول الأفريقية بزيارة جنوب أفريقيا والسودان وأثيوبيا وأوغندا، وقد بذل ذلك في عام واحد وسط حصار وتهديد وتشويه وتآمر من نخبة وعسكر ودولة عميقة وشعب لم يعي حقيقة أكاذيب الإعلام حول النظام الوليد.

الحقيقة أن الكلام عن المجهود الذي بُذل في مصر بعد الثورة من كافة القوى المحبة لمصر والمشاركة في الثورة وما بعدها من مؤسسات، وفي مقدمة ذلك البرلمان والرئاسة ليحتاج إلى مجلدات تذكر وتحلل وتقيم، ولا يستطيع أحد أن يدعي بأن كل ما تم كان هو الأمثل، لكنه كان اجتهاد من تصدر وعجز نتيجة التخاذل ورفض مد يد العون من القوى السياسية ونظام بيروقراطي عميق رسخه العسكر طوال أكثر من 65 عاما، لقد كانت محاولة وسعى صادق لتستطيع مصر أن تتجاوز هذه المرحلة الصعبة من التحول الديمقراطي في هذا الوقت.

لقد اجتهد الرئيس مرسى ومَن حوله ومَن شاركه في ترسيخ هذه التغيرات الجذرية على أرض مصر. ربما كان هناك تقصير في التصور أو الأداء، لكنه ومَن معه أبدا لم يخونوا أو يفرطوا أو يستسلموا لعدو داخلي أو خارجي، بل لقد دفع ثمن صموده ورفضه التسليم للخونة الذين أعانوا مغتصب السلطة في مصر ومَن معه ودفع حياته ثمنا لذلك.

سيبقى الدكتور محمد مرسي – رحمه الله وغفر له وتقبله في الشهداء والصالحين – رمزا لأمل المصريين في حياة كريمة، سيظل أيقونة الكفاح والصمود أمام المفسدين، وسيبقى أروع وأنقى وأعظم من تولى إدارة مصر خلقا وعلما وسلوكا ورغبة في الإصلاح الحقيقي. وقد شعرت الملايين بذلك لكن بعد أن فقدناه ولعل هذا الشعور يستمر في التنامي حتى يحين وقت نفهم فيه معاني كلماته في الخطاب الأخير، وهو يحذر من سرقة الثورة والتفريط في الشرعية والحفاظ على أبناء وبنات مصر الذين هم مستقبل هذه البلاد إن شاء الله.

رحم الله فقيد مصر والأمة وغفر له ورزقه جنات النعيم، وألهم أهله ومحبيه الثبات والصبر، وجمعنا به في مستقر رحمته غير مفرطين ولا مستسلمين اللهم آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق