وداعاً يا منير.. عزيز عليَّ أن أقول وداعاً

“أنا مش عارف أكتب يا منير“.. أكثر من عشرين ساعة مرت على خبر وفاتك، وكلما هممت بالكتابة عنك تغالبني دموعي فأتراجع لأبدأ المحاولة من جديد، وهكذا، هل أقول إنني حزين؟ أنت تعلم هذا بالقطع، فقد فقدت بموتك الأخ، والصديق، والسند، الذين يعينون على نوائب الدهر!

لم أكن أعلم أن الكتابة عنك صعبة لهذه الدرجة، مع أني كتبت عنك مقالاً معلقة وأنت في رحلة السجن التي كنت أتوقع أنها ستطول، وقبل الانتهاء منه وصلني خبر الافراج عنك، فقررت الانتهاء منه، ليكون جزءاً من مشروع كتاب، يتحدث عن جوانب في الحياة السياسية والصحفية التي مرت على مصر.

بيد أن الكتابة الآن مرة، بطعم العلقم، ولا أظن أنني مررت بحالة عدم القدرة على ذلك سوى في الكتابة عنك بعد رحيلك، لأنها واجب، بحكم إن الكتابة حرفتنا، ولا يجوز لمثلي أن يكتفي بكتابة نعي على جداره، فإذا لم أكتب نعياً يليق بك، فمن أنعى؟!

أتذكر ما نقل لجيلنا عن الصحفي الكبير مصطفى أمين، الذي عاد من المقابر إلى “أخبار اليوم” بعد أن دفن أمه، وعمل بجدية من أجل الانتهاء من عدد الغد وكأنه لم يودع غالية عليه قبل قليل، اذ يعمل بحماسه الطبيعي، على نحو أثار دهشة تلاميذه، فلما انتهى من العدد، طلب من الحاضرين الانصراف وأغلق الباب على نفسه وأجهش في البكاء!

كنا نستدعي هذا في مواقف مشابهة، لكن الأمر الآن صعب للغاية يا منير.

لقد قلت في نفسي إنني أحتاج للدفعة الأولى فقط، فإذا بدأت استقام لي الأمر لكن ورغم أنني حصلت عليها إلا ان الكتابة عنك لا تزال صعبة ومؤلمة.. هل اكتفي بنشر المقال المعلقة؟.. إنه على أهميته بالنسبة لي لا يصلح مقال رثاء، ولا يحيط بالمهم وهو الحوارات الأخيرة التي سبقت دخولك مستشفى الحجر الصحي، حيث سحبوا الهاتف منك، كنت أتندر على ما فعلوا، وأقول إنهم ربما فعلوا هذا بنصيحة ناصح أمين، حتى لا تفضحهم بالكتابة والبث المباشر، كما فضحت تقاعس النقابة في الفيديو الأخير.

هل تذكر آخر مكالمة بيننا، كنت أنقل اليك رغبة زملاء في الخارج لتحمل نفقات علاجك، وكنت أعرف ردك، لكني كنت أؤدي أمانة النقل، باعتبار أن هذا أمراً يخصك، وجاء الرد كما توقعت تماماً، فأنا أعلم أنك عزيز النفس بدون تصنع أو ادعاء، ولكن ببساطة أولاد البلد.

قلت لك هذا ليس دعماً من قطر أو من الجزيرة، ولكن من زملائك الصحفيين المصريين، فاعتذرت بشدة، وطلبت مني أن أشكرهم بالواحد، ثم كررت الطلب أكثر من مرة في خلال هذه المكالمة القصيرة: قل لهم إن محمد منير يشكركم جدا على هذه المشاعر.

أنا احتاج يا منير إلى دفعة منك حتى أتمكن من كتابة هذه السطور الصعبة.وداعاً يا منير.. عزيز عليَّ أن أقول وداعاً

شهر بالتمام هي محنة محمد منير الأخيرة، فقد كانت عملية اقتحام بيته في 13 يونيو، وكانت وفاته في نفس هذا اليوم من العام الجاري، كان بداخلي إحساس أن واقعة اقتحام المنزل هي “كارت إرهاب” من السلطة، لكن “منير” فاجأها بإذاعة وبث هذه الواقعة، فكان لابد من التحرك لمزيد من التأديب، والحمل على الانصياع، لكن الرسالة وصلت إلى العنوان الخطأ!

إن “منير” الذي يأخذ الأمور بـ “صنعة لطافة”، وبفكاهة، ليس هو من تملك السلطة أن ترهبه أو تفرض عليه ارادتها

لقد اتصلت به هاتفياً بعد واقعة الاقتحام هذه، وهذا يحدث كثيرا، فنتكلم كتابة، ثم نتواصل، وفي الليلة إياها قال لي إن نقيب الصحفيين ضياء رشوان اتصل به حالاً، وأخبره أنه حصل على تعهدات بأن يتوقف الأمر عند حد الاقتحام، فذهبت إلى سريري ونمت، لاستيقظ صباحاً على خبر القبض عليه، كان قد حاول الاتصال بي لكن كنت قد نمت، وعلى صفحته كتب أنه تم اعتقاله من منزله منذ ساعة!

قال لضياء رشوان إنه لن يتراجع عن شيء، وأنهم لو طُلبوا منه التوقف عن الظهور على الجزيرة أو الكتابة في موقع الجزيرة مباشر، فسوف يرفض، وأن أحداً لا يمكنه أن يملي عليه اراداته في هذا السن، ورد ضياء بأن جهة أمنية لم تطلب ذلك، وان ما سمعه ليس أكثر من اجتهاد من زملاء لا أكثر!

لا يمكن التسليم تماماً بصحة ما قاله “رشوان”، غاية ما في الأمر أنه قد يكون قد وقف على عدم جدوى الكلام، ومن هنا يكون من ينقل هذا العرض من الجهات الأمنية قد أحرج نفسه، وقد يصبح هذا على الهواء مباشرة بعد قليل، ولعل طبيعة “محمد منير” هي التي منعت ضباط الأمن الوطني من طلب هذا، فقد قال لي إنهم وهم يستقبلونه للإفراج عنه لم يطلبوا ذلك منه، لكن هناك أحد أفراد العائلة من أصر على هذا، وقلت له ضاحكاً: إنهم ليسوا بحاجة لأن يضعوا شرطا سترفضه، هم يعرفون إن “حازم منير” سيكون أكثر قسوة منهم!

هل كان يتلاعبون بضياء رشوان؟.. الحقيقة إن رشوان ليس هو إبراهيم نافع، نقيب الصحفيين الأسبق، كما أن النظام الحاكم الآن ليس نظام مبارك الذي كان يقبل وساطات في مثل هذه الأمور ويعلي من قدر رجاله، وقد يكون رشوان قد تلقي وعداً بالفعل، وقد يكون وهم الوعد اجتهاداً منه، وباعتبار أن النية لو كانت تتجه لاعتقاله لتم هذا في يوم اقتحام الشقة، لكن حتى مع وجود الوعد، فقد تتدخل سلطة أعلى أو جهة أخرى على الخط، وتقوم بعملية الاعتقال!

وعلى كل حال، فقد كان محمد منير يدرك مع هذا الوعد، أن اعتقاله أمر واقع لا محالة، وإنهم فقط يقومون بإعداد عريضة الاتهام، لكني كنت أصرف هذا عن ذهني، من باب الأماني إلى أن حدث المحظور وتم الاعتقال، والحبس لأربعة أيام، ثم تجديد الحبس لخمسة عشر يوماً، فأدركت ساعتها ان سجنه سيطول، وإن كنت أدرك أن صحته لن تتحمل ظروف السجن البائسة، لكن كان لدي يقين أنه قادر على التأقلم مع أي وضع على قسوته، ليس لأنه سجين سابق، فالسجون في العهود السابقة، كانت فنادق بالنسبة للحاصل الآن، لكن لأنه روح جميلة راضية وشجاعة ولا تعرف الجبن!

ظل محمد منير عشرة أيام في الحجز بقسم الطالبية، وهي أماكن حبس سيئة السمعة من حيث الزحام وسوء التهوية، قبل أن ينتقل إلى سجن طره، ثم لمستشفى السجن، قبل أن يصدر القرار بالإفراج عنه قبل انتهاء مدة الحبس الثانية وبدون أن يعرض على النيابة، وقد خرج من السجن للبيت، لنكتشف بعد ذلك أنه مصاب بـ “كورونا”، فهل كان هذا هو السبب وراء عملية الافراج السريع عنه؟!

إن التجارب علمتنا بأن الحداية لا تحدف كتاكيت، والسلطة التي اقتحمت بيت محمد منير، واعتقلته بعد يومين من عملية الاقتحام، بتهم تافهة لا قيمة لها، ولا تستدعي في حال صحتها الحبس الاحتياطي، لا يمكن قبول قرارها بالإفراج السريع عنه إلا إذا كانت تدرك تماماً اصابته بكورونا!

لقد اشتبه منير في إصابة بالفيروس قبل سجنه، وأخذت منه المسحة، واحتفى على صفحته بالفيس بوك بأن النتيجة سلبية، والمعنى أن الإصابة تمت داخل السجن، فكم من حامل للفيروس داخل السجون المصرية؟!

في ليلة خروجه من السجن، كتبت أهنئه بذلك، وطلب مني أن اتصل به هاتفياً، وكم كنت مشفقاً عليه وعلى نفسي من هذا الاتصال، وتبدو صورته أنه مرهق كثيراً، وقد قال لي إنه أصيب داخل السجن بجلطة في القلب، ومشاكل في الكلي!

لكن أسعدني أنه صوته كما هو، وكنت مدركاً أن سجانه لن ينال منه شيئاً، فأمثال محمد منير من عباد الله الطيبين، يمكن أسرهم بكلمة وأن تحتويهم بشطرها، لكنه مع هذا لا يمكن أن يخضع لإملاءات من أحد، وفي الأولى كان يقول لي دائماً: أنا برميل عواطف.

بمجرد أن رد على الهاتف وجدته يقول لي: “سليم أنا لم يهزمني الأمن أو السجن.. أنا هزمتني صحتي”!

ثم اندفع يتحدث عن رحلته مع السجن بطريقته الساخرة، وكيف أنه في مستشفى السجن، كان مع شاب من الاخوان، كان يحمله إلى “دورة المياه” ويساعده في ارتداء ملابسه، قال لي اسمه “هيثم” أو شيء من هذا القبيل، وأنه كان يعمل في احدى شركات “خيرت الشاطر”، وبدا ممتنا لهذا الشاب الخلوق. (فما مصير هذا الشاب الآن ومن المؤكد أنه حامل للفيروس اللعين؟)

استمر اتصالنا الهاتفي قرابة الساعة، وقد بدا حزينا لأنه لن يستطيع أن يلبي طلب الزملاء في الجزيرة إذا اتصلوا به، وقلت له ليس في الأمر ما يستدعي الأسف خد استراحة محارب، إن زملاء لك في الخارج، وفي أمان، ومع هذا لا يكتب الواحد منهم منشورا ضد النظام على صفحته.. “أغلق هاتفك يا منير ولا ترد على أحد” اخضع للعلاج أولاً.

فيعود ليقول لي: الافراج عني ليس مشروطا، أنا لا أقبل في هذا السن أن يملي على أحد شروطه!

كان لا يتوقف عن قوله إنه بعد وصل الخامسة والستين، لن يعش كثيراً وإنه صار أقرب للقبر وإلى لقاء الله.. فلماذا يفعل ما لم يفعله في شبابه وهو التنازل.

وفي الحقيقة إن شعاره هذا ليس مرتبطا ببلوغه الخامسة والستين من عمره، فكان يقوله وعمره خمسون عاماً، أنا عمري الآن واحد وخمسون عاما، ثلاثة وخمسون عاما، أنا رجل في الستين فلن أتنازل!

حسنا يا منير أنني وصلت إلى هذه النقطة.. لم أعد أستطيع مواصلة الكتابة يا صديقي. فوداعاً، وإن كان عزيزا علي أن أقول وداعا.

أتغيب الشمس في الضحى.. أيجف الماء في الفيضان؟!

عزائي أنك مت موتة تليق بك.. مت دون أن تتنازل أو تفرط.. دون أن تتراجع أو تبدل.. عشت رجلاً.. ومت رجلاً

لقد قلت لن أقبل الابتزاز.. وإن الحياة بدون كرامة دونها الموت. فكنت أنت من اختار طائعا مختارا..

لكني أنا الحزين لفقدك يا منير.

* نقلاً عن موقع الجزيرة مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق