سبع سنوات على التفويض بالعطش

يوم أمس، السادس والعشرين من يوليو/ تموز، تكون سبع سنوات كاملة على التفويض الذي حصل عليه عبد الفتاح السيسي قد مضت، ليكون هذا التاريخ يومًا مشهودًا وشاهدًا على اغتيال الممارسة السياسية المحترمة في مصر، والارتداد إلى زمن الحاكم بأمر الله، والعودة إلى عصر الزعيم الملهم الذي لا يُسأل عما يفعل.

وكيف يمكن مساءلة الشخص الذي خرجت له الجماهير، تحت قيادة الرموز والقيادات السياسية، المدموغة بختم الثورة، لكي تمنحه التفويض الذي طلبه، لكي يتصرّف في شؤون البلاد، بإرادة ذاتية منفردة، بعيدًا عن البرلمان والمجالس المنتخبة؟ كيف يمكن لأحدٍ أن يسائل الشخص الذي حل فيه الوطن، واستحل الوطن، وصار هو الوطن والوطن هو، بموجب التوكيلات الشعبية التي طلبت الرموز السياسية من جموع الشعب التوقيع عليها، لكي يتسنّى لذلك الرجل الخارق حمايتهم من الأخطار المحتملة؟

لا بأس من استعادة بعض تفاصيل ما جرى، لنعلم كيف أن كل هذا الخراب، وكل هذا العطش، وكل هذا البؤس وقلة القيمة، كان بناءً على طلب الجماهير التي خطفها الدجّالون المحترفون في عالم السياسة المصرية إلى صحراء التفويض بقتل منطق المحاسبة على الخطأ، والمساءلة على التفريط.

مبكرًا جدًا، وفي نوفمبر/ تشرين ثاني 2013، وبعد أربعة أشهر من المذابح، كان سياسيون يمسكون بالفؤوس، ويضربون الضربة الأولى لحفر طريق الطغيان، حين دشّنت شخصياتٌ عامةٌ وسياسيةٌ حركةً أطلقوا عليها “الشعب يأمر”، والهدف أن يكون الاستبداد باسم الشعب، وضمت الحركة النائبين البرلمانيين السابقين جمال زهران (أستاذ علوم سياسية) وحمدي الفخراني نائب وناشط (اقتيد  إلى السجن  بعد انتهاء دوره وتم سحله فوق منصّات الإعلام) خرجوا على الناس بحركةٍ تمنح الفريق عبد الفتاح السيسي رتبة المشير، وتطالبه بالترشّح لرئاسة الجمهورية، واعتماد قانون الإرهاب أسلوبًا وحيدًا للتعاطي مع كل من يعارض مشروع عبد الفتاح السيسي، وبالطبع قطع العلاقات بشكل كامل مع الدول التي اتخذت موقفًا لا ينحاز مع منطق الانقلابات. فيما ذهبت شريكتهما في الحركة، الحاجة عواطف، كما نشرت صحيفة المصري اليوم في ذلك الوقت، إلى اعتبار السيسي “من الأهرامات الثلاثة”، وتقول “أطالب المشير السيسي بأن يترشّح للرئاسة ويصبح رئيساً، ولن يكسر له أحد كلمة، وأقول له، إنت من الأهرامات الثلاثة ولن يهزّك ريح”.وائل قنديل يكتب: سبع سنوات على التفويض بالعطش

بعد ذلك بعام، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، بشّرت وسائل الإعلام المتخصصة في بيان الكرامات والقدرات الخارقة للجنرال الصاعد تصريحًا على لسان اللواء مدحت قريطم، مساعد وزير الداخلية لشؤون خدمات الأفراد، يعلن فيه إن الوزارة ستطرح لوحة معدنية باسم “السيسي 1″، وسيتم تقدير ثمنها بنحو 30 مليون جنيه في مزاد علني، لبيع اللوحات المعدنية لدعم صندوق “تحيا مصر”. وأضاف قريطم، في حواره في برنامج “على مسؤوليتي”، مع الإعلامي أحمد موسى على قناة صدى البلد، إن “هناك كثيراً من المواطنين في الدول العربية رغبوا في شراء بعض تلك اللوحات، وإن هناك كثيرا من التسهيلات لأصحاب تلك اللوحات، ويمكن ترخيصها في أي من محافظات الجمهورية، كما أنها قابلة للتوريث”.

تلك كانت مقدّمات ما يواجهه المصريون الآن من خطر العطش المحدق بهم، بعد أن وضع الرجل الذي فوّضته الجماهير مبكرًا توقيعه، بمحض إرادته واختياره، على اتفاق مع إثيوبيا يمنحها الحق والحرية في التحكّم بنهر النيل من منبعه، ويضع نصيب مصر من المياه تحت رحمتها.

تلك هي الحقيقة في سطوعها تقول إن القحط السياسي يقود بالضرورة إلى العطش والجدب، كما أن الجوع للديمقراطية يؤدي إلى خراب المعيشة، في ترجمةٍ عمليةٍ لقانون هندسة المجتمعات البشرية الذي وضعه ابن خلدون، قبل قرون، بعبارته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران”.

سبع سنوات مرّت على ذلك التفويض المشؤوم، من حقك، بل من واجبك، أن تسأل: ما الذي حصلت عليه، بعد أن فوضت ذلك الفاشل المحترف على بياض؟

من أسفٍ أنك لم تحصل إلا على العطش والبوار والخراب، بعد أن سرق منك نقطة الدم، ولم يحفظ لك قطرة الماء.

كان تفويضًا بالعطش أيضًا.

* نقلاً عن موقع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق